الثلاثاء، 22 يونيو، 2010

وعادت قريظة (2).. مذكرات ثلاثة اشهر في وسط البهائم

وعادت قريظة



مذكرات ثلاثة أشهر في وسط البهائم


-(2)-







الفضول ينفض مضجعي لأكتشف المزيد من مجهول هذا السفر.. تتبعتُ مآذن الحرم حتي بلغته، صليت ما أنعم الله به عليّ فيه.. ثم تناولت هاتفي لأبلغ الأستاذ علي برغبتي الذهاب إلى الشركة الآن..


- ولكن الوقت لم يزل باكراً وأنت لم تسترح من السفر..


- لن أستطيع النوم أكثر من هذا


- سأعود إليك الآن..


كان المشروع إنشاء مبني جديد بمدرسة ..




- تفضل ياباش مهندس.. هنا مكتبك.. المهندس "فتحي" مدير مشاريع الشركة.. -أهلا وسهلاً.. وبعد تبادل التحايا والديباجة المعروفة لمن أتي من سفر.. أمسكت بلوحات للمشروع وبدأت أتصفحها وأتناقشُ مع "م/ فتحي" في بعض ما فيها لأتأكد من معلومةٍ بلغتني عن "م/ فتحي" سمعتها عنه في مصر مراراً.. هو إذاً ليس مهندساً، ولم يمر في تعليمه حتي بالشارع المجاور لكلية الهندسة.. لبق التحدث، يتكلمُ بثقةٍ حتي ليكذب الكذبة فيخيل إليه أنه يتكلمُ عن حقيقةٍ لا تقبلُ النقاش.. أسررتها في نفسي لهدفٍ ما.. - (فتحي) : شوف ياباش مهندس.. هنا جاء قبلك أكثر من مهندس في فترة قصيرة جداً.. كلهم فشلوا.. لو أنت فشلت فـ.. - ياباااش مهندس فتحي أنا بفضل الله قادم من بلدي ومن شركتي ناجح، لم آت إلى هنا لتختبرني ولست أنت من يحدد لي إن كنت فاشلاً أو ناجحاً - ياباش مهندس أنا أتكلم عامةً.. لماذا تأخذ الكلام على نفسك.. - لا داعي لمثل هذا الكلام - أنا أقصد لو نجحت سيكون لك مكافأة ممتازة من صاحب الشركة.. - يا أخ فتحي.. حين أتفق معك مثلا على مائة لا يلزمني مائة وعشرة.. لكن لا تنفعني تسعةٌ وتسعون وتسعة من عشرة.. - بل وارد أن تكون سبعين - وارد عندك ليس عندي


حاول فتحي أن يلملم سخونة النقاش بعد ذلك .. ولكن بعد أن بدت بعض ملامحه من جحر شخصيته.. واصطحبني إلى "سقف" تم تسليمه إلي استشاري إدارة التعليم ووقع لهم بالتصريح بصبه.. السقف تتناثر عليه الملاحظات والمخالفات تناثر الرمال على أرض الصحراء.. لا أدري كيف استلمه هذا "الإستشاري".. هل هو مهندس فعلاً أم زميل "فتحي".. - أنت متأكد أنك سلمت هذا السقف؟ - ياباش مهندس هذا مهندس سعودي.. لا يفهم شيئ.. * * *


مرّ يومٌ ويومان وأن لم أعزم بعدُ على سفرٍ أو بقاء.. هُنا بضعةُ أشياءٍ أخري قدمتُ لها غير العمل، ربما فيها أمرور أهم عندي من العمل لم أتممها بعد..لكني أبغضُ ما أبغضهُ رجل لا يحترم كلمته.. كيف وقد بدأت رحلتهم بوعودٍ مخلفة وعهودٍ منكوثة!.. هم لا يساوون عندي سوى كلمةِ ازدراءِ ونظرةِ اشمئزاز.. ومغادرةٌ عاجلة.. لكني آثرتُ أن أبقى ريثما أقضي رغباتٌ أخرى، وعلى أملٍ اصطنعته من طينةِ الشكِ أن ربما ظهر لي ما يدفعني للبقاء مع أمثال هؤلاء في الفترة القصيرة التي أقضي فيها رغباتٌ أُخر..



يبدأُ روتينُ اليومِ بأن ينتظرني "فتحي" بسيارته عند سكني ليوصلني إلي المدرسة في السابعةِ صباحاً.. وأظلُ هناك في تأملات عجيبةٍ في عالمٍ من الغش والنصب لم ولن أشاهده بعد ذلك.. هنا في مصر التي تتشدقُ ألسنةُ العالم بالفساد فيها، (للغشِ حدود).. هي حدودٌ لا تصنعها الضمائر.. وإنما يصنعها الخوفُ من رقيبٍ يفهم عمله، أو مديرٍ على علم – حتى وإن كان غشاشاً .. فإذا استطالت الآذان ونبتت الذيول وتعالى النهيق من أعلى.. - أعني إذا وُسِّد الأمرُ إلى غير أهله- وشعر بذلك العامل والمقاولُ، فحتماً ولابد أن يتواصل فجور الغشِ ويمتدَ إلى أقصي بقعةٍ يغيبُ فيها عقلُ الرقيب وحاسةُ الفهم عند المسؤول.. الكلمةُ السائدةُ حين أعترضُ وأرفض: أنت معنا أم علينا ياباش مهندس؟ الاستشاري يستلم أشد من هذا ولا يتكلم! وأنت مهندس الشركة المنفذة تعترض؟! يأت "فتحي" ليوصلني إلى سكني في الثانية ظهراً.. ألتقط أنفاسي وأتناول الغذاء.. وأسترخي قليلاً ثم آوي إلى الحرم ألتمس فيه السكينة، وأتزود بشيئ من عتاد العزيمة ريثما أواجه العفن في الدوام الثاني بعد صلاة المغرب.. حيث أذهب إلى مقر المؤسسة ,, هي هي ذات المناقشات والمشاجرات على أمورٍ محسومة لم ولن يكون لها حلٌ آخر سوى "النصب والغش والحيلة الآثمة" ما تعاقبت على الدنيا الدهور.. وحين أضعُ العقد في منشار طغيان الغش، يلبسُ (فتحي) عباءة الخبير.. ويأتي إلى مكتبي، أرني المشكلة ياباش مهندس..


- فأضعُ أمامه تفاصيل المخالفة وربما سردتُ له ما يخوفه من سلبية تأثيرها.. - ينظر بنظرة يحاول أن يستجمع فيها نظرةَ مفكرٍ .. ويعبثُ بقلمه في الهواء يمنة ويسرة في صمتٍ على الرسمة..ثم وكأنني أنتظرُ الحل من (السيد مدير المشاريع) لأوافق فيقول: "تمشي ياباش مهندس .. أنا حسبتها"..




ويبدوا أنه صدق نفسه أنه مهندسٌ فعلاً.. لكن الذي يقوله لو قاله طالبٌ في السنة الثانية من كلية الهندسة لأستاذه لربما ركله في سلة المهملات، أو جعله "نكتة" الموسم لأعوامٍ تالية.. حاولتُ أن أكتم اشمئزازي وأنا أصر على موقفي حتي لا أنفجر فيه.. فأنا أعلم نفسي وأتذكر مواقفي حين يثور لساني فلا يبقي ولا يذر.. لكني لم أتحمل وقاحةً نصابٍ إلى هذا الحد.. تركته ودخلت إلى مدير عام المؤسسة..




رجلٌ سعودي.. يعملُ في الصباح جندياً بشرطة الجوازات.. وفي المساء يجلسُ على مكتبه جلسة "لواء" رصعه كبره بنياشين الغرور، وأُسْدِلَت علي رأسه "غطرته السعودية" فكأنما غزلت خيوطها من سامِِيَّةٍ في نفسه، ثم نسجت على مغزل "نحن شعب الله المختار"..




- كيف أحوالك ياباش مهندس.. ايش سويتم اليووم؟ - بصراحة "فتحي" زودها.. ليس معني أنني أحترمه إلى الآن أن يستغفلني إلى هذا الحد.. كان أولى به أن يستر كذبته ولا يفضح غبائه وجهله أمامي.. هذه السخافة التي يقولها لا تخرج من فم طالب في اعدادي هندسة.. ثانياً أنا على ما شاهدته من غش ونصب لم أشاهد أحدا يتجاوز بهذه الجرأة..




صمت الرجل وهو ينظر بنظرةٍ كأنما يخفي خلفها اعتراضه على ما أقول أو موافقته الكاملة لفتحي.. حاولت أن أخوفه من مغبة ما يفعل


-ياباش مهندس هؤلاء المهندسين السعوديين – مثله- كلهم في الإدارة لا يفهون شيئاً.. كلهم يستلمون أكثر من هذا وما في داعي نعقد الأمور


- لكن لو جاءك واحد يفهم ستخسر الكثير.. - أنا قبل ذلك تم سحب مشروعين "مدرستين" تابعين لنفس إدارة تعليم البنات مني.. وبعد ذلك فوجئوا بفاكس بإعادة المشروعين لي .. ومن حينها كلهم يعرفون أنني خط أحمر.."على قولة إخواننا المصريين"..



ثم ضحك ضحكة بلهاء محاولاً تلطيف الجو المشحون بغمام الثورة الوشيكة!


- فاكس من من؟.. -(وهو ينظر إلى السقف نظرة خاشعة).. من الله! -من الله؟!! - ربك بييسر كل شئ.. - (وغلبني الفضول لأعرف خلف أي جدارٍ يحتمي عفنه.. فابتسمت وخففت من حدتي) : ماشاء الله باين أنك واصل.. -الحمد لله.. - لك أحد في الإمارة؟ - في مكتب الوزير.. مدير مكتب الوزير قريبي وهو الذي أرسل الفاكس، ولي أناس في الإمارة وفي كل مكان..



ثم اعتدل في جلسته وانتفخ بدنه فخراً وتيهاً وهو يحكي لي عن بطولاته التي سحق فيها كلام الاستشاريين تحت قدمه مراراً منذ ثنتي عشرة سنة حين بدأ مزاولة نشاطه.. وظل ينتفخ وينتفخ وهو يحكي عن حيله حتي ليخيلُ لي انما يريدُ أن يمرق من السقف بانتفاخته ليبلغ الجبال طولا.. لم أر من يتباهي بعورته هكذا حتي لكأنما يتباهي ببطولات المعارك والفتوح! أدركتُ أن نصحهم طريقٌ مسدود.. فالضمائرُ و"من غشنا فليس منا" وما إلى ذلك ترتسم في أعينهم أجوبتها بـ "هذا أساطيرُ الأولين" وليس لها مكانٌ في سوق اليوم.. ثم هم لا يخافون حتي من عقوبة الدنيا.. فبأي آيةٍ بعد ذلك تنصح من لا يخاف الدنيا ولا الآخرة! ولم يكن هناك بدٌ من طريقٍ واحدٍ مع أمثال هؤلاء..



* * *




يدخل فتحي ويجلس: حدادين مدارس السديرة في غرفة الحسابات..


سعد : نصرف لهم؟


فتحي: سيبهم شوية..


سعد: منذ متى يأتون؟


فتحي : ثلاثة أسابيع تقريباً..


سعد : اصرفلهم..


فتحي: سيبهم شوية كمان..


سعد (يصمت حيناً، ويدير نظراته من حوله، ثم ينظرُ نظرةً المتواضع المتصدق!) : اصرف لهم..


* * * غرفة الحسابات..! حيث أتحينُ الفرصُ وفتات الأوقات لأتأمل في في نفس ذلك "الفتحي" وهو يتلذذ بإذلال كل من يأتي ليتقاضي أجراً من العمال.. بالنصب تارة، وبالخصم غير المبَرَّر تاراتٌ أُخر.. والعامل بين هذا وذاك يتسولُ حقه كما اعتاد أن يأتي يومياً في المساء ليطالب بحقٍ استحقه منذ شهر!.. ثم حين يأذن فتحي، يخبرهم المحاسب أن عليهم خصومات –غالباً ما تتجاوز الثلاثين في المائة، وغالباً ما تكون غير مسببة أو لأسباب غير منطقية- يفتحُ العاملُ فاه مندهشاً.. يحاولُ أن يناقش فتحي يمنة ويسرة ليتحصل منه على حقه الذي يتسوله منذ شهر، وفتحي منتفخُ في كرسيه ترى في عينه التلذذ وهو يتلاعبُ بالعامل كما يتلاعبُ الطفلُ بعصفور!,, ثم حين ييأسُ العامل ويقول –عصفورٌ في اليد- .. وحين يُسِرُّ في نفسه أو يتهامسُ هو وزميله بما اقرأه في عينيهما أنهما لن تخطو قدماهما أعتاب هذه المؤسسة بعد اليوم، يلقي إليهما المحاسب بفتاتٍ مما استحقاه بعد الخصم "تحت الحساب" .. حيث أن المؤسسة لا يوجد بها أية أموال الحين، وغداً بإذن الله.. والله غداً.. أقسم بالله غدا.. أو بعد غد! سيتم صرف شيك.. وتأخذون ما تبقى لكما.. ثم يضعُ فتحي ديباجته المعهودة أمام عينيهما كما توضع عصا الجزرة أمام الحمار: أي يوم غياب أو تواني فيما تكلفون به بثلاثة أيام خصم مما لكم عندنا..


وحين يأخذ العاملُ قليلُ الحيلة فتات حقه وهو يلعنهم ويسبهم "والله لأروح عمرة وادعي عليهم كلهم عند الكعبة.. والله لادعي على كل المؤسسة".. يقف فتحي خارج غرفة الحسابات بابتسامة خبيثةٍ يقول لهم: خدتوا حقوقكم؟؟.. مبسوطين؟ راضيين؟.. نحن لا نريد من أحد ريال واحد! ينافقه العمال بابتسامة.. وبكلمة شكرٍ الغصةُ فيها أوضح من حروفها.. ثم يمضون إلى آلامهم..


ذات مرةٍ.. أصروا على أن يخصموا على حدادٍ خطأً نجار.. حاولتُ أن أفهم فتحي –بحسن نيةٍ مني- أن الحداد برئ من ذلك الخطأ، لكنه أبى واستكبر وأصر.. فقال الحداد لـ "سعد: المدير العام" –بحسن نيةٍ أيضاً- : أنا حاسس أن من يوم ما حدادكم وصل من مصر وأنتم تضايقوني عشان أمشي رد سعد (وقد جري الدمُ والكبرُ في وجهه وعروقه): انت تجول أنتوا مسويين مؤاامرة عليا!.. اخرج يا وغد ياسافل ياحقيييير.. وليس لك عندي شئ.. لا المخصوم ولا غير المخصوم.. وأكل على الحداد أجره وأجر كل من معه من حدادين وعمال.. بسبب احساسه الآثيم بأنهم والعياذ بالله "يضايقونه"!


* * *



وعلى هامش الغرفة وما فيها من عفن، يختطف أحد الحضور ذهني من هذه المشاهد: قريبك "علي" ده (.....) ياباش مهندس.. مثله مثل فتحي في النصب والـ (.....) - لكني – رغم أذاه لي بإيقاعي في أمثال هؤلاء- لم أر منه سوءً سوى استماتته في الدفاع عن فتحي.. فقط أحسبه ضعيف الشخصية.. ثم هو ليس بقريب - طبيعي أن يدافع النصاب عن صديقه.. ستبدي لك الايام.. - الله المستعان..




ثم بعد التحايا والسلام، أمضي في طريقي إلى الحرم وقد اكتئبت من كمِّ الظلم الذي رأيته وأنا أدعوا عليهم وألعنهم كعادتي في نهاية كل يوم.. الظلم الذي نلعنُ به دولاً وأنظمة، والذي هو الآن في أيدي أفراد!


أصلي.. أزور النبي صلي الله عليه وسلم وصاحباه ..


أتمهلُ أمام قبرِ عمر.. لو بعثك الله في زماننا هذا؟!


لو بعثك الله وفي يدك سيفك!!,, كم نحنُ في حاجةٍ لك ولسيفك ياعمر..


تدفعني يدُ العسكر الحراس,,



لآوي إلى فراشٍ .. بلا نوم

الأربعاء، 16 يونيو، 2010

وعادت قريظة.. مذكرات ثلاثة أشهر في وسط البهائم


وعادت قريظة


.. مذكرات ثلاثة أشهر في وسط البهائم[1


(1)



العاشرة صباحاً

..

نهر العمل ينسابُ في منتجعٍ ينتعشًُ انتعاشةُ الربيع، رُسمت طرقه وقصوره وحدائقه وأشجاره، بل وتغاريد بلابله كأنما رسمت في خيالِ حالمٍ بجنةٍ هي أروعُ ما خلق الله من جنان الدنيا


.. العمل في هذا المنتجعِ مهما تجعد وجهه بروتين الحياةِ ومشاكل المواقع وسأمِها، فإن طبيعته الخلابةِ تمسحُ هرم ذلك الوجهِ، وتعيدُ إليه نضارته بنظرةٍ حالمةٍ في الروعةِ التي تحتضن عينيك إلى عالمٍ آخر.. رنين هاتفٍ من رقمٍ غير منتظر.. -السلام عليكم.. - وعليكم السلام كيفك يا حسام.. -الحمد لله .. كيف حالك يا أستاذ علي؟ - الحمد لله يا إبني..شوف يا إبني أنا هجيبك هنا المدينة.. عندنا في الشركة نحتاج مهندس ضروري وأنا رشحتك ولكن نريد إنهاء الإجراءات سريعاً لأن المهندس الموجود سيعود مصر لبعض الظروف.. -وما تفاصيل العقد؟ -الراتب (....) والسكن والسيارة.. -أليس الراتب قليلاً؟ -اعتبره راتب بشكل مبدأي لمدة شهر شهرين على الأكثر، لكن الوضع هنا ممتاز وإن شاء الله ربنا يجعل رزقك في المدينة..


... وانتهت المكالمة التي اجتذبتني إلى معادلةٍ صعبة، فالراتب ليس مجدياً، وجحر السفر لم يزل سم لدغته قبل أشهر من تجربة الخُبر، ثم عملي هنا مستقر والحمد لله، العقلُ أن أبقى.. لكن عاطفة المدينة وسكناها وحرمها كانت تجرفني بعيداً عن أيةِ حسابات مادية..



طالت فترة التردد، وكثرت معها الاتصالات من الأستاذ علي و (م) فتحي مدير مشاريع الشركة، والذي جمل الصورة أكثر وأكثر، وكال لي الوعود الطيبة محاولاً أن يقضي علي أية نبتة تفكيرٍ أو تردد -كيفك يا حسام؟ -الحمد لله.. -يابني لماذا تتردد -بصراحة العقد غير مجزي بالمرة ، ولكنها المدينة.. -يابني لا تتردد ولا تخف، أية مشاكل أنا موجود هنا، وإن شاء الله سيكون لك وضع ممتاز في الشركة لأنك ستسد فجوة كبيرة هنا وأنا واثق من ذلك، ووضعك بالتأكيد سيتحسن..



ربما أنني جعلتُ من هذه المكالمة متكأً لي لأعزم على السفر إلى حيث تغلبني عاطفتي، وربما اتخذت منها عصاً أهشُ بها أيَّ ترددٍ أو تفكيرٍ منطقي، حتي أقنعتُ نفسي أخيراً بأنها تجربةً يطيب لي أن أخوضها ولو اعترضها غمار الناصحين وأمواج من استشرتهم من أهل الخبرة.. خصوصا والاستاذ علي يعمل منذ نيفٍ وعشرين عاماً في المدينة.. وأسرته على ذلك نعرفها منذ زمن.. وابنه صديقٌ قديم من أصدقاء الدراسة

أبلغت شركتي برغبتي، واتفقت معهم على مهلةٍ تمكنهم من تسليم المواقع لمهندس آخر. وظل يرفعني صباحٌ ويحطني مساءٌ حتى أسلمتني الأيامُ إلى حقيبةِ سفري في المطار لأعاود الترحال من جديد.. * * * 16/3/2010

ساعتان وتبدلت ملامحُ الكون..السماءُ وإن عرفناها واحدةً، إلا أنها في مصر رحباء تحتضن العين، وتأخذها إلى أحلامها.. بينما هي الآن في جدة تكاد تتجمدُ وتتصخر امام النفس المغتربةِ كصخر الجبال.. الناس والشوارع والطرقات بعدما كانوا أُنساً للنفوسِ منذ ساعتين همُ الآن جمادات تتحرك لا تزيدُ النفس إلا وحشةٌ على وحشتها.. كأنما الطائرةُ آلة تبتلع الإنسان فتهضم مشاعره ثم تلفظه في عالمٍ آخر وقد جردته من كل ما يأنس به.. حملني سيل الافكار على طريق المدينة.. هنا في جدةَ أحبابٌ تخطفتهم الغربةُ منذ فترة كأنها الدهورُ المتعاقبة.. أتراهم على مقربةٍ مني الآن؟ ..أتراهم على ما تركتهم عليه؟ .. أم بدلهم تعاقب الأيام وتباعد المسافات التي تملأها رمال الصحاري وصخور الجبال حراً وجفاءً؟!..

الأرض تطوى تحت السيارة كما تطوى لحظات اللقاء وسويعات السعادة تحت عجلات الأيام، رياض الأشواق تفرش الصحراء.. وأزهار الحب تكسوا الجبال إلى الحرم.. إلى مدينة احتضنت الرسول.. إلى قبره صلي الله عليه وسلم.. إلى أُحدٍ وجبل الرماةِ.. إلى ساحاتٍ حملت الأبطال إلى الخلود، وإلى مقابر الخالدين من شهداء أحد.. بزغت مآذن الحرم في السماء.. ورفرف إليها القلبُ حتى حط عليها يود لو قبلها واحتضن الحرم بأسره.. لكنما الموعد هنا حيث واعدني الأستاذ علي عند موقف النقل الجماعي -حمد لله على السلامة يا حسام - الله يسلمك -كيف الحال؟ -الحمد لله.. إلى سكني الآن؟ -لا.. الآن ستذهب إلى السكن معي حتى نبحث لك عن سكن غداً.. -نبحث عن سكن؟!.. وأين سكن المهندس التابع للشركة؟! -بصراحة يا بني السكن عليك.. وأنا ناقشتهم في ذلك كثيرا ولكن.. -لكن ماذا؟؟.. من أولها؟!.. اقسم بالله أنا الآن عندي أحجز على أول طائرة وأعود وأخسر المزيد ولا أعمل مع امثالهم - اهدأ يا حسام وإن شاء الله ستحل المشكلة.. وأنا لن أسكت عن هذا..

-----------------------------------------



1] شرف البقعة لا يستلزم شرف من فيها.. قال الله عز وجل: (ومن أهل المدينة مردوا على النفاق).. وقال: (لئن لم ينته المنافقون-والذين في قلوبهم مرض-والمرجفون في: المديينة).. أما لفظة البهائم فأقول مع اعتذاري للبهائم: (بل هم أضل) من البهائم.. (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون؟؟ أولئك كالأنعام بل هم أضل)